السيد كمال الحيدري
103
الدعاء إشراقاته ومعطياته
داعيه والساعي إليه ، وهذا السبب مُكمِّل للسبب الأوّل ، ففي السبب الأوّل قلنا يجب أن لا نتوجّه لغير الله تعالى ، وأمّا السبب الثاني فهو الاعتقاد الراسخ بأن الله تعالى سوف يستجيب لنا ، وأنه لا بُخل في ساحته المقدّسة ، وهذا ما مرّ علينا في ذيل الحديث القدسي الآنفِ الذكر ، حيث جاء فيه : « أبخيل أنا فيُبخِّلُني عبدي ؟ أَوَ ليس الجودُ والكرمُ لي ؟ » ، ولا ريب بأنَّ الاعتقاد بعدم استجابة الله تعالى لدعائنا إما لاعتقاد بأنَّه لا يملك ، وعندئذٍ لا معنى لدُعائه ابتداءً ، وإمّا لاعتقاد وجود بخلٍ وحرص في ساحته كما هو حال اعتقاد اليهود الذين كشف القرآن الكريمُ حقيقةَ اعتقادِهم وسرائرِهم في قولِه تعالى : وَقالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ . . . فأجابَهُم اللهُ تعالى : غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِما قالُوا بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ . . . ( المائدة : 64 ) ، وأمَّا اعتقادُ العبدِ بأنه غيرُ مُستحقّ لاستجابةِ دعائِهِ فهذا أمر حسنٌ يُعجّل في الاستجابة لا في عدمِ الاستجابة أو تأخيرِه . الحقيقة الرابعة : وأمّا السبب الأخير الذي نودُّ الوقوف عنده يسيراً فهو ضرورةُ عدمِ اليأس من رَوْحِ الله تعالى عند تأخير استجابة الدعاء ، وقد عبَّرنا بالتأخير ولم نُعبّر بعدم الاستجابة ؛ لعدم تصوّره في صورة تحقُّق شروطه ، وذلك لقوله تعالى : وَإِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذا دَعانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ ( البقرة : 186 ) . إنَّ اليأس من الاستجابة دليل على قصور في فَهم الفيض الإلهي الذي لا انقطاع له أبداً ، وقد مرّ بنا في الحديث القدسي الآنفِ الذكر إشارة